السيد محمد تقي المدرسي

145

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

تموجات الفكر الهندي ، الذي اشتهر في ذلك التاريخ ، حيث كان ( الفدنتا ) تجدد على يد ( شنكرا ) المجدد الصوفي لمذهب ( الفدنتا ) الذي توفي عام ( 820 م ) . وقد اتصل أبو يزيد البسطامي بهذا التيار الصوفي المتجدد عبر وسيط من أهل السند كان قد أسلم واسمه ( أبو علي السندي ) الذي علمه مذهب ( الفناء في التوحيد ) . وحيث كانت أطراف خراسان مركزاً للتيار الصوفي القادم من الهند في القرون السابقة لانتشار الإسلام فيها ، وجدت هذه الأفكار سبيلًا سهلًا إلى قلب الشاب الطموح الذي ( ألزم نفسه ، أكثر من أي صوفي آخر ، ممن مر معنا ذكرهم ، بأشد مقتضيات التقشف حتى يتسنى له ، كما قال ، التجرد التام عن الأوضاع الإنسانية ولقاء الله وجهاً لوجه . ومهما اختلفت التفاسير لشطحات البسطامي الصوفية ، فقد كانت تدور على ظاهرة النشوة الصوفية ، وفكرة الاتحاد بالله ، وانطوت بوضوح على ادعاء الإلوهية . ففي إحدى شطحاته ، التي رواها لنا مؤلف صوفي متأخر ، يقول : رفعني ( الله ) مرة ، فأقامني بين يديه ، وقال لي : يا أبا يزيد ، إن خلقي يحبون أن يروك ، فقلت : زينّي بوحدانيتك ، وألبسني أنائيتك ، وارفعني إلى أحديتك ، حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك ( أي الله ) ، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا ( أي أبا يزيد ) هنا . وفي شطحة أخرى ، لعلها أشهر شطحات ، يقول : ( سبحاني ما أعظم شأني ) « 1 » . ومن خلال شطحاته التي عرف بها البسطامي ، ربما أكثر من أي صوفي آخر ، يعكس هذا الصوفي الذي احتمى تحت مظلة التظاهر بالجنون ، يعكس الفكر الهندي الصوفي . ومع وضوح وحدة الوجود في هذه الشطحات ، فإن قمة التجربة الصوفية ، تبقى عنده على جانب من السلبية والفراغ ، إذ أن النفس تبقى معلقة ، كما في بعض طرق التصوف الهندي ، نظير ( بتنجالي ) بين الأنا والأنت ، والذات والمطلق ، وقد فنيا كلاهما .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 333 .